منذ أن ظهر وائل غنيم على الإعلام ليعلن أن الثورة المصرية لا هوية سياسية لها على أساس أن التسييس عيبا تبيّن أن الحاجة ماسّة لإعادة الاعتبار للسياسة كمفهوم ليس سلبيا بل ضروريا لأي حراك من أجل التغيير. نقطة الانطلاق هنا هي بتعريف الحركات المعارضة للأنظمة أياً كانت الحركات و أياً كانت الأنظمة كأفعال سياسية في الشكل والمضمون. وبناء على ذلك فإن السياسة هي ما يتعلّق بإدارة شؤون الشعوب وهي مساحة حيث تتصارع مشاريع مختلفة كلّ منها يحمل أفكارا ومصالح ومجموعات هي جزأ من هذه الشعوب.
إن الحملة اللبنانية من أجل إسقاط النظام الطائفي تمثّل تحركا يعلن عن نفسه تحركا شبابيا غير حزبي ولكن غالبا ما نسمع أصواتا توازي بين عدم الانضواء تحت راية حزب وعدم التسييس وهذا الأمر يشكّل خطورة على هدف التحرك كهدف من المطلوب أن يكون سياسيا بامتياز. لذا وبناءا على المقال المهم الذي نشر في جريدة الأخبار اليوم بعنوان ” لحن الانتفاضة” بقلم رائد شرف، فإن المطلوب من الحملة لإسقاط النظام الطائفي في لبنان أن لا تخاف التسييس بل على العكس أن تبلور مشروعا سياسيا واضحا وتجاهر به لكي تخوض المعركة ضد النظام الطائفي بمشروع بديل لهذا النظام وبذلك تحصن نفسها في وجه الخطر الداهم إن سقط النظام وسرقت الثورة كما يحصل في مصر وتونس.
وهنا لا بد أن تطرح الحملة في وجه النظام الطائفي مشروعا يأخذ بعين الاعتبار تحطيم ركائز هذا النظام الذي يتغذى ليس فقط من الغرائز الطائفية بل من البنية الاقتصادية للمجتمع اللبناني والسياسات الاحتكارية التي تحارب الإنتاج وتشجع الزبائنية.
وهنا الحاجة لكي تتبنى هذه الحملة مشروعا اقتصاديا واجتماعيا وتربويا يكون هويتها السياسية ونظامها البديل للنظام الطائفي الزبائني الذي يتغذى من عرق الفقراء ويغذي جيوب الفاسدين من الطبقة السياسية والاقطاعية (اللتان تشكلان في معظم الأحوال طبقة واحدة). فاسقط النظام الطائفي لا بد أن يكون بمشروع يطرح النقاط التالية على الأقل:
- مشروعا تربويا بحيث تشكل المدرسة مدخلا نحو ثقافة المواطنة عبر إعادة الاعتبار لدور المعلمين في المدارس الرسمية والخاصة وصياغة مواد أساسية توعي التلاميذ على مسؤولياتهم وحقوقهم كمواطنين في مجتمع حقوقي. مواد تتعلّق بدور الإعلام وكيفية انتاجه لكي ينشأ جيل لديه حسّ نقدي تجاه ما يقدمه الإعلام طائفي كان أم لا. وطبعا مادة التاريخ بحيث نكتب تاريخ حربنا وجرائمها لكي نتعلّم من الأخطاء ولا نكررها.
- مشروعا اقتصاديا يعيد النظر ببنية الاقتصاد اللبناني من أساسها بحيث لا يكون لبنان بلد يقوم اقتصاده على السياحة وتحويلات المغتربين بل على سياسة انتاجية تستثمر مقدرات الوطن الانسانية والطبيعية. وهنا المشروع الاقتصادي البديل يبدأ من إعادة النظر بالسياسة الضريبية التي تعاقب الفقراء وتكافئ الأغنياء فيكون الهدف استثمار الطاقات والخبرات الشبابية اللبنانية من أجل القيام بالقطاعين الزراعي والصناعي والبحثي. فتشجع الدولة الاستثمار في تطوير الزراعة العالية الجودة مثلا والصناعات الصغيرة والأبحاث العلمية التي يعمل فيها الجامعيون اللبنانيون في كل أنحاء العالم إلا في لبنان. كما أن الاصلاح الاقتصادي لا بد من أن يكون محاربة الفساد بآليات واضحة من أسسه وذلك عبر محاربة الاحتكار ومراقبة عمل المصارف التي للأسف تشكل عامودا من عواميد الفساد في لبنان. كما أن حقوق العمال وتطوير البنية التحتية يشكلان مدخلا نحو القيام باقتصاد قوي وفعال لا يقوم على احتقار العامل واستغلال قدراته بل على إعادة الاعتبار لقيمة العمل.
- مشروعا اجتماعيا يبدأ من العدالة والمساواة بين كل انسان بغض النظر عن الجنس أو الجنسية. وذلك يبدأ من التشريعات التي تحمي النساء من التمييز وتحقق المساواة الحقيقية بين الجنسين وتحفظ الحريات الجنسية لكل من يقطن في لبنان كما تحارب التمييز العنصري المعيب الذي يتفشى في لبنان ضد عاملاته وعماله الأجانب الذين يعاملون بالقانون وفي المجتمع كعبيد لا قيمة انسانية لهم.
إن هذه النقاط السياسية بامتياز لا بد أن تشكل مرتكزا لبلورة مشروع سياسي تخاض معركة اسقاط النظام الطائفي على أساسه فلا تكون حركة ضد الشيء فحسب بل تصبح مشروعا لدولة بديلة يكون المواطن فيها قيمة بحد ذاته ومصالحه هي المحرك والهدف.