Archive for November, 2011
الله، لبنان، جعيتا وبس
حملة جديدة للتصويت لمغارة جعيتا هذه المرّة من صيدا. مواطني وطن العجائب لن يستكثروا رسالة قصيرة لكي يرتفع اسم لبنان عاليا على صفحة انترنت. لا يهم أن هذه الرسالة من الأغلى في العالم ولا يهم أن الوطن ذاته عبارة عن نموذج فاشل من حكم العصبيات والفساد. وربما هي السخرية أن تكون جعيتا نفسها مثالا للفساد. ولكن لا يهم فالتلميذة النجيبة تصرخ ” ربي احفظ وطني.” أي رب و أي وطن؟ وهذا سؤال مهم في بلاد تعددت فيها الأوطان والآلهة وسالت دماء غزيرة من اجلها.
نحن نصوت “بس الأجانب عم يصوتوا ضدنا” والأجانب كما نعرف لطالما شكلوا تهديدا للوطن والمواطن وحتى أن بعضهم ساهم بتهشيم الجرّة في عدّة مناسبات. وفي برج حمود تمت السيطرة على ظاهرة تفشي الأجانب لحسن الحظ. والتصويت للمغارة ليس لأن المغارة تستحق التصويت بل لأنها في لبنان. فالتلميذة النجيبة تقول صراحة أنها كما العديد من البنانيين لم تزر المغارة في حياتها فالدخول الى المغارة ليس بمتناول الجميع وهي كانت تعتقد أن المغارة ليست في لبنان لكن عندما أخبرتها معلمة الجغرافيا (ومعلمة الجغرافيا أيضا غير قادرة على زيارة المغارة براتبها) أن المغارة في لبنان أصبحت المغارة عجيبة فعلا.
اللبنانيون يريدون مغارة جعيتا في صفوف عجائب الطبيعة وذلك أمر عجيب. والعجيب هو حين يصوت مواطن في البلاد التي تدمّر طبيعتها وبيئتها لمعلم طبيعي. والمشهد الذي يلخص التصويت هو مواطن في سيارة على الطريق السريع يتجاوز سيارة من جهة اليمين فيما يكتب رسالة قصيرة للتصويت لجعيتا. ينتهي من التصويت لهذا المعلم الطبيعي والشركة الفاسدة التي تديره ثم يرمي بعض المهملات من نافذة السيارة نحو البحر حيث التلوث وصل الى قبرص.
وبما أن في لبنان تجربة وتراث من ” الله، لبنان، (احد ما) وبس” أصبحت جعيتا زعيما وطنيا رمزيا والشعار “الله، لبنان، جعيتا وبس”. والهتاف لجعيتا أو لأي زعيم لا يصح دون التهديد والوعيد بتنصيب الزعيم بالقوة إن لزم الأمر. لذلك عبر بعض المشاركين في دعم جعيتا في صيدا عن حبهم للوطن وجعيتا بالقول “لنفرض خيارات تنصيب جعيتا، بالقوة.”
وفيما صدحت أغنية ” الفنانة” ميرنا شاكر المخصصة للمغارة (نعم أصبح للمغارة أغنية) كانت أجور العمال في وطن العجائب ما تزال على حالها وكانت العصبية اللبنانية لا تزال تبرر استعباد من هم سمر البشرة وكانت الكهرباء ما زالت مقطوعة وكان الشعب اللبناني ما زال ينتخب زعماء الحرب والفساد ذاتهم ولكن الآن أضفنا اليهم مغارة (الفساد) جعيتا.
الوهم اللبناني: جعيتا مثالا
November 15, 2011 at 3:49 pm · Filed under Comment, Thoughts
بين الحين والآخر يبرز شعارا أو قضية غالبا ما تكون سخيفة بحيث لا تطرح أي موضوع يصيب المشاكل العضوية الكثيرة في لبنان. تتوحّد الطوائف اللبنانية المتناحرة دوما في وجه آخر وحول هوية فوقية لبنانية آنية لا تلبث أن تختفي لتبرز العصبيات الطائفية مجددا كطائر الفينيق الذي لطالما أحبه اليمين اللبناني. فمن عبدة الشيطان الى صحون الحمص والتبولة الى جعيتا خيط من الشعارات الوطنية التي تلخص المواطنة باصطفاف أعمى خلف ” لبنان” ولبنان مفهوم فضفاض لا يتفق ابنائه (الأبرار منهم طبعا) سوى على تفوقه في كافة المجالات. فاللبناني (وليس اللبنانية طبعا) أذكى كائنات المعمورة فهو كيفما قذف لا بد من أن يحط برجليه أولا وإن لم يفعل فلا بد أن مؤامرة أدّت الى منعه من ذلك. أما اللبنانية فهي بطبيعة الحال وبما أنها امراة فتفوقها لا يمكن أن يتجلى سوى بجمالها أو بقدرتها على التكاثر أو التحرر (طبعا ضمن حدود المجتمع الذكوري حيث التحرر يصبح شكلا آخر من الاستعباد).
أما طبيعة لبنان – أو ما تبقى منها – فهي جنة لا مثيل لها في العالم أجمع. أليس لبنان قطعة من سماء؟ لا يهم أن الكسارات أنتجت مغاور أعمق من جعيتا ولا أن النفايات باتت أكثر الكائنات انتشارا في احراش لبنان الغير عديدة ولا أن العلم اللبناني تتوسطه أرزة (لأسباب مجهولة) ربما تكون الوحيدة في البلاد. ألمهم هو أن الطوائف اللبنانية وجدت قضية تتوحد خلفها، وهي قضية برمزيتها تلخص المعضلة اللبنانية: طوائف تتوحد حول شركة تسرق المال العام وتمثّل الفساد السياسي والمالي في البلاد. وكيف؟ تبرز الأصوات التي تألّه لبنان وطبيعته وتغذي أسطورة التفوق اللبناني. ألم يعلمنا كتاب الجغرافية أن لبنان صلة الوصل بين الشرق والغرب وكتاب التاريخ أن لبنان – الفينيقي طبعا – هو من اخترع الابجدية (وأصبح الآن لدينا يوم وطني للأبجدية). ربما يضاف مستقبلا باب جديد في كتاب التاريخ الموحّد عن موقعة جعيتا واستبسال اللبنانيين في كتابة الرسائل القصيرة – كفعل مقاوم ربما – لكي يرتفع اسم لبنان عاليا على صفحة انترنت تبغي الربح. أما حربنا الأهلية ومجازرنا وعلاقتنا مع الذات والآخر – على اختلاف اللون والجنسية – فهذه أمور لا تتوافق مع الوهم اللبناني بأن هذه البلاد رسالة.
Comments